القرطبي
39
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ظن أنه مؤمن ، ولذلك قال له : ( ولا تكن مع الكافرين ) وسيأتي . وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق ، وقبل رؤية اليأس ، بل كان في أول ما فار التنور ، وظهرت العلامة لنوح . وقرأ عاصم : " يا بنى اركب معنا " بفتح الياء ، والباقون بكسرها . وأصل " يا بني " أن تكون بثلاث ياءات ، ياء التصغير ، وياء الفعل ، وياء الإضافة ، فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل ، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة ، وحذفت ياء الإضافة لوقوعها موقع التنوين ، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع ، هذا أصل قراءة من كسر الياء ، وهو أيضا أصل قراءة من فتح ، لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ، ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف ، أو لسكونها وسكون الراء . قال النحاس : أما قراءة عاصم فمشكلة ، قال أبو حاتم : يريد يا بنياه ثم يحذف ، قال النحاس : رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز ، لأن الألف خفيفة . قال أبو جعفر النحاس : ما علمت أن أحدا من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق ، فإنه زعم أن الفتح من جهتين ، والكسر من جهتين ، فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا ، قال الله عز وجل إخبارا : " يا ويلتا " ( 1 ) [ هود : 72 ] وكما قال الشاعر : فيا عجبا من رحلها المتحمل فيريد يا بنيا ، ثم تحذف الألف ، لالتقاء الساكنين ، كما تقول : جاءني عبدا الله في التثنية . والجهة الأخرى أن تحذف الألف ، لأن النداء موضع حذف . والكسر على أن تحذف الياء للنداء . والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين . قوله تعالى : ( قال سآوي ) أي ارجع وانضم . ( إلى جبل يعصمني ) أي يمنعني ( من الماء ) فلا أغرق . ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله ) أي لا مانع ، فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار . وانتصب " عاصم " على التبرئة ويجوز " لا عاصم اليوم " تكون لا بمعني ليس . ( إلا من رحم ) في موضع نصب استثناء ليس من الأول ، أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه ، قال الزجاج . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، على أن عاصما بمعنى معصوم ، مثل : " ماء دافق " ( 2 ) [ الطارق : 6 ] أي مدفوق ، فالاستثناء . على هذا متصل ، قال الشاعر :
--> ( 1 ) راجع ص 69 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 20 ص 4 .